حُكم الصورة: سيادة الصمت
بقلم إنريكو تشيليبرتي
في عصرٍ يهيمن عليه تدفّق لا ينقطع من الكلمات والمؤثرات، ينتصب الصمت كواحدة من أكثر أدوات الاتصال السياسي تطوّراً. ليس مجرّد غياب للصوت، بل فعل متعمَّد وسيادي، قادر على إعادة تشكيل مشهد النقاش العام بأكمله.
في السياسة الإيطالية المعاصرة، المثقلة بفرط النشاط الكلامي وباقتصادٍ للظهور لا يرحم، يمثّل الصمت خياراً تكتيكياً رفيعاً: فعدم المشاركة في نقاشٍ فتحه الخصوم يعني حرمانهم من إمكانية التحكّم في السردية، وإعادة كتابة قواعد المشهد السياسي بتكتّم. ليس هذا مجرّد تحفّظ، بل حصن نفوذٍ خفيّ وقويّ.
غير أنّ هذه الممارسة تنطوي على بُعدٍ آخر حاسم: فالتدخّل فقط في المسائل التي نراها مهمّة يعادل نزع الشرعية، بالإغفال، عن كلّ ما يُتجاهَل. وهكذا يحمل الصمت أيضاً القيمة الضمنية لخيار سياسي فاعل، له انعكاسات على الإدراك العام وعلى أجندة السلطة. فما لا يُسمّى يفقد شرعيته في عيون الرأي العام والفاعلين المؤسساتيين، ويصبح، فعلياً، أرضاً متروكة للخصوم أو للهيئات الوسيطة.
في ضوء ذلك، الصمت سلاح ذو حدّين: هو في آنٍ واحد ممارسة للسلطة وإعلان للأولويات، يفترض رؤية واضحة لأيّ المعارك تستحقّ أن تُخاض، وأيّها من الاستراتيجي تركها في الظل.
إنّ هذه الإدارة الحاذقة للعلاقة بين المنطوق وغير المنطوق، عبر التكتّم في العلاقة مع وسائل الإعلام والتحكّم المدروس في الظهور العام، تحدّد نموذجاً للاتصال السياسي قائماً على التوازن وضبط النفس والاعتدال. إنها سلطة طرحية، تحكم زمن الخطاب العام ومكانه من دون أن تستهلك نفسها في ضجيج اليومي الصاخب.
وهكذا يغدو الصمت أرقى تعبير عن الفنّ السياسي، علامة صامتة لكنها بليغة على التمكّن من الاتصال وعلى القدرة في التأثير لا في الكلمات المقولة فحسب، بل قبل كلّ شيء في تلك التي لم تُنطق. وبهذا المعنى، تُعرِّف السياسة الإيطالية المعاصرة نفسها وتروي ذاتها أيضاً من خلال ما تختار ألّا تقوله، كاشفةً عن شكلٍ من الإتقان يتجاوز مجرّد الحوار وينتمي إلى البُعد الأعمق للسلطة.

